التعافي من الألم

نشر في: الخميس 30 ديسمبر 2021 | 09:12 م
لا توجد تعليقات
بقلم | هنادي الحربي

إنه واقع لا محال؛ مهما هربت إلى الخيال، لتُخفف وطأةً أو تُكذب حقيقةً، أو تنكر صدمةً.
أن تحاول جاهدًا بإمساك زمام أمرك والتَّحكم بقوتك، بينما داخلك يتهشَّم من ألمٍ ارتطم بعمقك، ليُحدث فوضى عارمةً داخليةً تَسبَبَ على إثرها حرقُ قلبٍ، وخنقُ شعورٍ، وتشريدُ فكرٍ، وتحطيمُ أملٍ، وكسر ُخاطرٍ، وكدرُ حاضرٍ بتلك المعاناة.
يُقال: “أصلُ المعاناة هو الارتباط” أي التمسك بأمور معينة في حياتنا كجروحٍ قديمةٍ أو أهدافٍ مُحددةٍ أو علاقاتٍ مُعقدةٍ، واللهثُ كل اللهثِ خلفَها، ورفع سقفُ التوقع فيها؛ لتكون مصدرُ السعادة دون غيرها، والانطفاء من بعدها.
فماذا يحدث بداخلك إذا لم تتحقق تلك الأهداف التي تتمناها؟ وماذا لو كانت تلك العلاقات عابرة ورحل الأشخاص الَّذين اعتدت عليهم؟ وماذا عن الاحتياج، وعن لوعة الاشتياق؟ وعن تلك اللحظات التي سُرعان ما أن تحولت إلى ذكريات؟
قد تكون المعاناة في الإجابة الصحيحة، ولكن تبقى الإجابة الخاطئة مُطمئِنة، وحيلة تُمارس على قلبٍ مُرهفٍ، وعقلٍ مُرهقٍ، وقد تكون المواجهة هي الخطوة الصحيحة لكن يُتخذ الهروب ملجأ من واقعٍ مُؤرقٍ.
وتستمر محاولات الهروب بعادات مستميتة؛ للمحاولة في إنعاش الروح البائسة من عبث الأيام، كالهروب للعملِ وبذل الجهد فيه حد الإنهاكِ، أو الهروب بإدمان مشاهدة الأفلام، أو بالنوم غالبية اليومِ، وجميعها تُعدُّ كتخدير مؤقتٍ للألم، وربما يصل الهروبُ إلى نَبْشِ سلة المهملاتِ وإعادة فتح بعض الملفاتِ وإصلاح بعض العلاقاتِ، وتبقى المحاولة مستمرة بالفرِ والكرِ إلاَّ أنَّ الألمَ راكدٌ قابعٌ في القاعِ، ينتظر ُالوكزَ ليُستثار، فهو سريعُ الاشتعال.
فلا توجدُ طريقةُ سريعةُ لإزالة الألم وقلعه من جذوره، وإعادة الكيان كما كان، وإصلاحُ ما أفسدهُ الخذلان، فإن حاولت بذلك، فقد تجد الطريقة السريعة للقضاء عليك وبيديك. لهذا اعطِ نفسك متسعًا للتعبير عما أصابها وتقبُّلها بصدرٍ رحب، فيكفي ضيق الفضاء عليها، فلا تُحمّلها ما لا طاقة لها به، فهي بحاجة للدعم والاحتواء، وتقبُّل ضعفِها، دون المكابرةِ بإظهار قوتها، مما يُدخلَها في صراع وتناقض مع شعورها، ويزيدها كدرًا إلى كدرها.
فالتعافي هو أن تُعطي الشعور حقه في التعبير، والتعايشُ بجانب التغييرِ، والتسامحُ واللطفُ مع النفس والآخرينَ، فمهما حدث منهم لا يستحق منك أن تحْمِل الكُره والقهر، وتلوث قلبك النقي بآثارهم، ليذوق الويلات بجانب الخيبات.
والتعافي يكون بالمشاركة والتنفيس عما أصابك مع من تثق به من المقربين والمختصين النفسيين، ويكون أيضًا بالكتابة، فالكتابة متسع وملجأ للنفس، والتعافي لا يعني التجرد من الألم قطعًا، بل يعني أنك لم تعُد خاضع له، ولم يعُد يؤثر عليك سلبًا، بل إيجابًا بالنمو والنضج والوعي، ويحدث بالتدرُّج والتقبّل والرضى والتسليم لا الاستسلام.
وقد يكون البحث عن التعافي مؤلمًا بتقديم التنازلات، وترك بعض العادات، وقد يكون الألم وسيلة للتعافي بتحرّر الروح من قيودها ومما أنهكها، وبالتقرُّب واللجوء إلى خالقها، فلا بأس بقليلٍ من الألمِ لمتســعٍ من العــافية.
إن المعاناة ليست كل المعاناة فيما يصيبنا من أحداث ومواقف بل في تفسيرنا لها وتعاطينا معها، فقد نطبّب الجُرحَ أو نُنْزِفَه، لهذا نحن بحاجة إلى أن نتعلم سُبل تضميد جراح النفس، وسُبلَ التدّخل لوقايتها قبل علاجها، وإجادة مهارات الإسعافات الأولية للصدمات النفسية. كما أننا بحاجة إلى تنظيم العاطفة قبل أن تتمرد، ويكون ذلك بفهم المشاعر وتقبّلها وتغيير المُزعج منها، وتحسينها واحتوائها، وتهذيبها قبل أن تُشكل أزمة يصعب التعامل معها والسيطرة عليها.
فالتحكم يبدأ من داخل النفس، ثم مع العلاقاتِ من حولها ويكون بإحداث التوازن في التعامل معها كأن نشد ونرخي، وأن نثق بجانب الحذر، ونمنح اللطف بجانب الصرامة، ونعطي بجانب الأخذ، ونكتفي بذاتنا مقابل الاعتماد عليهم، ونتناوب بين الحضور والغياب بأن نشاركهم ثم نختلي بعالمنا نقضي وقتنا بالاستمتاع في هوايتنا.
ثم إننا بحاجة إلى بناء قوةٍ من علاقاتٍ مساندةٍ داعمةٍ تكون اليدُ اليمنى التي نخوض بها الحياة وتمضي بنا للعلو، فلا متسع لدينا، ولا وقت بيدينا، ولا قوة تستحق أن نجاهد في علاقات تهدر طاقتنا وتستنزفنا، وتُشغلنا عن تحقيق أهدافنا، فإن لم نحصل منها التقبّل، والتفهّم، والتقدير، والاحترام والاهتمام، ولم نحقق منها السعادةَ، والمودَّة؛ فلترحل عنّا بلا عودَّة.

وصبرًا وأمـلاً جميلاً لأيامٍ قادمةٍ، وعلاقاتٍ مزهرةٍ، وأوقاتٍ مثمرةٍ، وأهدافٍ محققةٍ، وشفاءٍ لا يغادرُ سقمًا لتلك النفسِ الطيبةِ، وفرحًا وفرجًا قريبًا لتلك الروحِ المخلصةِ. وسلامٌ عليها حتى ترضى.

ومضـــة:
المشـــاعرُ مقــدسةٌ .. لا تُنتهـــك حُـــرمتها.

هنــادي الحــربي – أخصائية نفسية – جــدة

مقالات ذات صلة

إغلاق