المعلم ..والعلم

نشر في: السبت 09 أكتوبر 2021 | 07:10 م
لا توجد تعليقات
بقلم | د. علي عوض حمود شراب

بمناسبة اليوم العالمي للمعلم
“أن تكون معلما؛ يعني..”
يحثني بحرارة الصادق
ويقول: فقط لو إنك تكتب في قناتك في التلغرام كل يوم مقالة قصيرة أو فقرة صغيرة، أو تعلّق بسيط على صورة، أو مقطع فسوف يتضاعف عدد المتابعين لك أضعاف كثيرة..
قلت له: يابني ‏يبدو أنه قد سرقتك الموجة، وجرفك الطوفان..لعلك نسيت أنني لست متاجرًا بالعلم
لأعرضه في سوق البضاعة ولست تاجرًا يبيع العلم على عملائه‏ (د/علي عوض حمود شراب)
واضع خطط التسويق وأساليب الإعلان … إنما أنا معلم لمن يريد أن يتعلم لمن يسعى بنفسه إلى التعلم ولمن يريد أن يكتسب المعرفة التي تقوده إلى طريق الحكمة
يابني…
المعلم الحقيقي هو الذي يمنح العلم قيمته وبهذا فهو ‏يرد الدين إلى العلم؛ الذي منحه قيمته كمعلم.. فرفعه إلى قمة هرم المسؤولية البشرية حيث جعل في عقله وقلبه؛ وعلى لسانة صلاح الناس أو فسادهم.. قال تعالى { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } .
حين تكون معلمًا للباحثين عن المعرفة العميقة التي تُثمر على صاحبها ثمار الحكمة وحين تكون معلمًا للباحثين عن حقيقة الخير والحق والجمال في زمن تشابهت فيه مفاهيم الخير والشر وتداخلت فيه معاني الصواب والخطأ، فلابد أن تكون معلمًا يحفظ مكانة العلم في نفوس أؤلئك اللذين يبحثون عن الحكمة وهؤلاء – على ندرتهم – إلا أنك لا تحتاج أن تذهب إليهم ولا أن تقف على قارعة طريقهم فتشير إليهم بالكتاب والمحاضرة والبرنامج التدريبي فهم سيعرفونك ‏كما يعرفون أنفسهم..

‏يا بني …
المعلم الحقيقي لا ينظر إلى نفسه كسلعة ولا يتعامل مع علمه كتجارة بل هو ينظر إلى نفسه كرسالة ويقدم علمه .. كحياة
فتذكر : أن قيمة العلم؛ هي من قيمة من يعلمه..

” التعليم بين التجارة والمهنة “
قال متبسمًا: أنت تعلم نيتي على إنشاء مدرسة خاصة فكيف ترى الخطأ في أن يكون العلم تجارة..؟
قلت: لابد أن تحرر ذهنك بين أمرين وفهمهما بوضوح:
الأمر الأول: أن هناك فرق دقيق .. ولكنه شاسع بين التجارة بالعلم .. وبين مهنة العلم مهنة العلم هي أعظم مهنة وشرف مهنة العلم هو أعظم الشرف يقول نجيب محفوظ: “يمتلك المعلم أعظم مهنة، إذ تتخرج على يديه جميع المهن الأخرى” يقول أحدهم الكتاب: “ما أشرقت في الكون أي حضارة إلا وكانت من ضياء معلم.” أن يكون لك أجر مقابل وقتك وجهدك وما تقدمه من علم، فهذا أمر مقبول في كل الأحوال ولهذا لا بد أن يكون هناك المعلمون في ( المدارس والجامعات والتدريب والتربية والإعلام…)
ولكن.. أن يكون العلم تجارة فهذا يعني أنك سوف تتعامل مع المتعلمين على أنهم عملاء وبهذا يجب أن تحافظ عليهم وتتنافس على إرضاءهم بملئ الاستبيانات وبهذا تسعى المدارس والجامعات لجذبهم بوسائل التأثير والتسويق وهذا ما يدخلك في هواجس الخوف من أن تخسر نشاطك التجاري وحين يرى الطلاب أنفسهم أنهم عملاء سيبحثون عمن يرضيهم، أكثر من بحثهم عمن يعلمهم وهذا يجعل من العلم وسيلة صحيحة لإكتساب المعارف والمهارات ولكنها تفتقد إلى روح الإنسان ويجعل ( جُل ) المتعلمين متخمين بالشهادات ولكنهم مفرغين من الإنسان وهنا خطورة المتاجرة بالعلم
الأمر الثاني: أن هناك عدة أنواع من العلوم
النوع الأول: هو الذي يكون فيه المعلم متصلاً بالمتعلم من الداخل فيؤثر في أبعاده الثلاثة:
البعد الأول: بناء الفكر الذي يوجهه
والبعد الثاني: إثارة الشعور الذي يحركه

والبعد الثالث: تدريب السلوك الذي يعمل به
وأهم هذه العلوم: علوم الدين والتربية والتعليم والقيادة والتدريب.. والذي يُعلم هذه العلوم هو المقصود بالمعلم الحقيقي..
والنوع الثاني من العلوم: هى العلوم التي تتعلق بمعرفة خصائص العالم المحيط بالإنسان.. وهذه تشمل: التجارة والإدارة وعلوم الطبيعة والطب والهندسة والاقتصاد والسياسة وغيرها.. والذين يعلّمون هذه العلوم؛ أسميهم بالمدرسين.. ودورهم محدود ( دائمًا ) بتوصيل المعارف والمعلومات والنظريات والحقائق. وهذا التعليم لا معاناة فيه ( مالم يقرر المدرس أن يقوم بدور المعلم ).
وحديثي كله يتجه صوب المعلمين الذين يتعاملون مع الذات الإنسانية من الداخل.. حيث كل التحدي والجهد والصعوبات والحساسية.. وحيث الشفافية والإبداع والإلهام..
وهذا ما يجعل مهنة المعلم هى المهنة الأصعب.. وهو جهد يقع على كاهل طرفي التعليم: المتعلم والمعلم ..كأنما أفاق من غفوة.. حين قال: ولماذا يكون دور المعلم هو من أصعب الأدوار في الحياة..
أليس هناك أعمال بشرية؛ هي أكثر صعوبة من الدراسة والتعلم؟
في لحظات ترددت في ذهني عدة إجابات من عدة جوانب ثم قلت له: إن بناء العالم أيسر من بناء شخصية إنسان واحد.. ثم استطردت.. لعلي أذكرك بنفسك حين توقفت عن الدراسة؛ أكثر من مرة؛ في بداية رحلتنا هذه.. وسأذكرك بما تعلمه.. أتذكر كم كنت تعاني لكي تقرأ كتابًا واحداً كل شهر.. وكم بذلت من جهد وأنت تجاهد نفسك لكي تكتب ملخصاتك وخرائطك الذهنية.. وكم تكرر وتكرر لكي تتمكن من أن تحفظ .. وكم عانيت وأنت تحاول تجلية المعاني والأفكار الصعبة..
قال: نعم أذكر كل شيء كأنما أراه الآن أمامي، وأشهد أن التعلم الحقيقي مليئ بالتحدي والمغامرة البشرية الفذة .. في حياتي كلها لم أواجه ضغوطًا نفسية كتلك التي واجهتني في شهوري الثلاثة الأولى.. أتذكر كم هي شاقة تلك الأسئلة التي تجعلني فيها في مواجهة نفسي.. اذكرها كيف كانت المشقة في عدة مسارات ومراحل.. مشقة عقلية ومشقة نفسية ومشقة روحية..

العقلية: حين كنت أحاول التخلص من تكلس أفكاري عن نفسي وحياتي
والنفسية: حين كنت أصارع رغباتي ومخاوفي وانفعالاتي العنيفة
والروحية: حين بدأت معك مرحلة الاتصال بالسماء..
واسترسل في الحديث عن تقلبات عوالمه الثلاثة كأنما كان يحاول توثيقها لنفسه..
حتى قال: ولا أزال أرى محاولاتي ( رغم مرور سنتين على الرحلة ).. تبدو كما لو أني مازلت في بداية الطريق ولكني أحمد الله على ما تحقق من تغيير وما تحقق من نتائج.. لم أكن أعرف بوجودها.. فضلاً عن أن أحققها ..مفاهيم مختلفة تمامًا عن كل ما تعلمته في حياتي ومشاعر لم أعرف بوجودها قبل الآن، و لازلت أرغب في المزيد..
واستمر حديثه عن تحديات البدايات، والجهد الذي بذله في نزع الأقنعة الكثيفة التي أثقلت روحه ونفسه. كنت أرى في حديثه عن نجاحاته خلال رحلة التعلم، كأنما كان حديثًا يكافئ به نفسه، على إصراره في قطع الرحلة والاستمرار حتى الآن.. استمعت إليه حتى توقف فجأة.. سادت فترة صمت؛ كأنما غشيت ملامحه ظلال حزن خالطت تعابير سروره بما أنجزه..
توقعت أن يسأل سؤآلا استكشافيًا من العيار الثقيل

وقد كان..؟؟

مستشار أعمال تنمية وتطوير
عضو مجلس إدارة وقف قدوتي الخيري
للتعليم والتدريب على القيم الإسلامية

مقالات ذات صلة

إغلاق