اللقاء المؤجل

نشر في: السبت 29 أغسطس 2020 | 10:08 ص
تعليق واحد
بقلم | أحمد بن محمد الغامدي

قليلون هم الذين يجمعون بين ناصية العلم وسماحة الإيمان، يزاوجون بين التبحر في الشرع وحلاوة اللسان.
أحد هؤلاء هو أستاذي ومعلمي وصديقي ووالدي معالي الدكتور عبد السلام داود العبادي، وزير المقدسات الأردني الأسبق وأمين عام مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة الذي وافته المنية قبل أيام، وترك بداخلي جرح لا يندمل، وحزن كبير على فراقه .
كان الدكتور عبد السلام “يرحمه الله” أحد كوكبة المخلصين الذين وهبوا حياتهم للعلم، وأفنوا سنواتهم في البحث، وقضوا جل وقتهم في إسعاد الآخرين، وإضاءة الطريق أمامهم، كان بمثابة الطيب الذي يعطر المكان، وينشر حوله أريج المحبة وصفاء الابتسامة، والراحة والطمأنينة.
في شهر رجب الماضي، قررت أن أتوج علاقتي المتينة مع معالي الدكتور عبدالسلام داود العبادي بحفل تكريم يليق بمكانته، ويترجم حبي الكبير له، واتفقنا على أن يكون ذلك يوم 13 شعبان 1441 هـ “6 ابريل 2020″، وآثر أن يأتي مباركته بزواج ابنتي شيماء، لكن فيروس كورونا المستجد (كوفيد ـ 19) الذي انتشر بصورة كبيرة في العالم كله، تسبب في تأجيل لقاء انتظرته كثيرًا، وبالفعل تم التواصل والاتفاق على تأجيل الموعد إلى 5 محرم “23 أغسطس 2020”.. وكنت طواق لهذا الاحتفال، شغوفا بالاستماع إلى أحاديثه المباركة ونصائحه القيمة، والتزود من علمه المديد.
وفيما كنت أستعد للاحتفالية المؤجلة، وبعدما جهزت درع التكريم ودعوت الكثيرين من أحبابه ومريديه، جاءني خبر وفاته يحمل الكثير من الصدمة والألم، حيث انتقال إلى رحمة الله تعالى قبل اللقاء بـ15 يوماً فقط، وأصبحنا جميعا لا نملك سوى الدعاء له بأن يسكنه فسيح جناته، ويجزيه على كل ما زرعه من حب ومودة في الحياة الدنيا، ويجمعنا به في لقاء لا ينفض في الفردوس الأعلى.
لقد قدم معالي الدكتور عبد السلام دواد العبادي نموذجاً رائعاً للسماحة والإخلاص والتفاني في حياته، تحرر مبكراً من القيود المحلية الضيقة، وتحول إلى باحث علم مسلم وعربي، حيث بدأ مسيرته التعليمية في الأردن التي ينتمي إليها وترعرع في رحابها، وولد في ربوعها عام 1943م، لكنه درس شهادته الجامعية من سوريا، وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة الأزهر المصرية في الفقه المقارن.
نبوغه المبكر جعله يتخطى درجات السلم سريعا، منذ بداية عمله في سلك التدريس الجامعي، مرورًا بتعيينه أمينًا عامًا لوزارة الأوقاف، وأمينًا لمؤسسة إدارة وتنمية أموال الأيتام، ليشغل في فترة قصيرة منصب وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، ويعود للمنصب مرات عديدة، فضلاً عن عمله أمينًا عامًا للهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، ثم رئيسًا للجنة التعاون والتنسيق مع الشعوب الإسلامية، ومجلس أمناء جامعة آل البيت، ثم رئيسًا لها، وأخيرًا أمينًا عامًا لمجمع الفقه الإسلامي الدولي.
كان الفقيد “يرحمه الله” علامة في الشريعة ودروبها، وأصدر عشرات المؤلفات التي أثرت المكتبة الإسلامية، ومنها الملكية في الشريعة الإسلامية، طبيعتها، ووظيفتها، وقيودها؛ دراسة مقارنة بالقوانين والنظم الوضعية، والإيمان بين الآيات القرآنية والحقائق العلمية، والضمان الاجتماعي بين الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية، والفقه الإسلامي والحقوق المعنوية، ودور المؤسسات الدينية في مكافحة المخدرات، ومفهوم التنمية في الإسلام وأهدافها وأطرها، ودراسة حول الغزو الثقافي للعالم الإسلامي بداياته، دوافعه، أبعاده، سبل مواجهته، وغيرها، مما أهله للحصول على العديد من الجوائز والأوسمة.
إذا كان الوالد والصديق والحبيب الدكتور عبد السلام رحل عن دنيانا، ستبقى دراساته وأبحاثه وعلومه يتدارسها الجيل الجديد عقود عديدة، وستبقى سماحته نبراساَ وعنواناً للإسلام الوسطي الذي يبني ولا يهدم.
رحم الله معالي الدكتور عبد السلام داود العبادي، وجزاه خيرًا عن جهوده العلمية والتربوية والدعوية بالمغفرة والرحمة والرضوان، وأخلف للأمة العربية والاسلاميه وطلبة العلم فيهما؛ علماء مخلصين يحفظون علوم الشريعة ويرفعون لواءها.

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “اللقاء المؤجل”

  1. رحم الله الفقيد وجبر مصابكم
    ويجعل ما قدمه لخدمة الاسلام والمسلمين في موازبن حسناته
    والعزاء للامة الاسلامية في الفقيد رحمه الله
    ونسأل الله ان يخلف الاسلام والمسلمين بخير منه
    جزاك الله خير ابا عزام …

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق