أكثر من 50 عاماً في خدمة العقيدة

نشر في: الإثنين 08 سبتمبر 2014 | 04:09 م
تعليق واحد

هو الشيخ محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبدالرحمن آل عثيمين من الوهبة من بني تميم، ولد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1347هـ في عنيزة (إحدى مدن القصيم) في المملكة العربية السعودية.

ألحقه والده رحمه الله تعالى ليتعلم القرآن الكريم عند جدّه من جهة أمه المعلِّم عبدالرحمن بن سليمان الدامغ رحمه الله، ثمَّ تعلَّم الكتابة وشيئًا من الحساب والنصوص الأدبية في مدرسة الأستاذ/ عبدالعزيز بن صالح الدامغ وذلك قبل أن يلتحق بمدرسة المعلِّم علي بن عبد الله الشحيتان رحمه الله حيث حفظ القرآن الكريم عنده عن ظهر قلب ولمّا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وبتوجيه من والده رحمه الله أقبل على طلب العلم الشرعي، وكان فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله يدرِّس العلوم الشرعية والعربية في الجامع الكبير بعنيزة, وقد رتَّب من طلبته الكبار ومنهم الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع رحمه الله لتدريس المبتدئين من الطلبة، فانضم الشيخ إلى حلقته حتى أدرك من العلم في التوحيد والفقه والنحو ما أدرك، ثم جلس في حلقة شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله فدرس عليه التفسير والحديث والسيرة النبوية والتوحيد والفقه والأصول والفرائض والنحو، وحفظ مختصرات المتون في هذه العلوم.

العثيمين7

ويُعدّ فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله شيخه الأول إذ أخذ عنه العلم معرفةً وطريقةً أكثر مما أخذ عن غيره، وتأثر بمنهجه وتأصيله وطريقة تدريسه واتِّباعه للدليل، وحينما كان الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان رحمه الله قاضيًا في عنيزة قرأ عليه في علم الفرائض، كما قرأ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله في النحو والبلاغة أثناء وجوده مدرّسًا في تلك المدينة.

ولما فتح المعهد العلمي في الرياض أشار عليه بعضُ إخوانه أن يلتحق به، فاستأذن شيخَه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله فأذن له والتحق بالمعهد عامي 1372/1373هـ، ولقد انتفع خلال السنتين اللّتين انتظم فيهما في معهد الرياض العلمي بالعلماء الذين كانوا يدرِّسون فيه حينذاك ومنهم العلامة المفسِّر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ الفقيه عبدالعزيز بن ناصر بن رشيد، والشيخ المحدِّث عبد الرزاق الأفريقي رحمهم الله تعالى، وفي أثناء ذلك اتصل بسماحة الشيخ العلاّمة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله فقرأ عليه في المسجد من صحيح البخاري ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وانتفع به في علم الحديث والنظر في آراء فقهاء المذاهب والمقارنة بينها، ويُعدُّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله هو شيخه الثاني في التحصيل والتأثُّر به، ثم عاد إلى عنيزة عام 1374هـ وصار يَدرُسُ على شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ويتابع دراسته انتسابًا في كلية الشريعة التي أصبحت جزءًا من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة حتى نال الشهادة العالية.

العثيمين12

توسَّم فيه شيخه النّجابة وسرعة التحصيل العلمي فشجّعه على التدريس وهو ما زال طالبًا في حلقته فبدأ التدريس عام 1370هـ في الجامع الكبير بعنيزة، ولمّا تخرَّج من المعهد العلمي في الرياض عُيِّن مدرِّسًا في المعهد العلمي بعنيزة عام 1374هـ، وفي سنة 1376هـ توفي شيخه العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى فتولّى بعده إمامة الجامع الكبير في عنيزة وإمامة العيدين فيها والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية التابعة للجامع وهي التي أسسها شيخه رحمه الله عام 1359هـ.

ولما كثر الطلبة وصارت المكتبة لا تكفيهم بدأ فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يدرِّس في المسجد الجامع نفسه، واجتمع إليه الطلاب وتوافدوا من المملكة وغيرها حتى كانوا يبلغون المئات في بعض الدروس.

بقي الشيخ مدرِّسًا في المعهد العلمي من عام 1374هـ إلى عام 1398هـ عندما انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وظل أستاذًا فيها حتى وفاته رحمه الله تعالى.

وكان رحمه الله يدرِّس في المسجد الحرام والمسجد النبوي في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية منذ عام 1402هـ حتى وفاته.

وللشيخ ابن عثيمين رحمه الله أسلوب تعليمي فريد في جودته ونجاحه، فهو يناقش طلابه ويتقبل أسئلتهم ويُلقي الدروس والمحاضرات بهمَّة عالية ونفسٍ مطمئنة واثقة مبتهجًا بنشره للعلم وتقريبه إلى الناس.

العثيمين 1

آثاره العلمية

ظهرت جهوده العظيمة رحمه الله خلال أكثر من خمسين عامًا من العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كما اهتم بالتأليف وتحرير الفتاوى والأجوبة التي تميَّزت بالتأصيل العلمي الرصين، وصدرت له العشرات من الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى والخطب واللقاءات والمقالات، كما صدر له آلاف الساعات الصوتية التي سجلت محاضراته وخطبه ولقاءاته وبرامجه الإذاعية ودروسه العلمية في تفسير القرآن الكريم والشروحات المتميزة للحديث الشريف والسيرة النبوية والمتون والمنظومات في العلوم الشرعية والنحوية.

وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها فضيلته رحمه الله تعالى لنشر مؤلفاته ورسائله ودروسه ومحاضراته وخطبه وفتاواه ولقاءاته، تقوم مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية بواجب وشرف المسؤولية لإخراج جميع آثاره العلمية والعناية بها، كما أنشئ له موقع خاص على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) من أجل تعميم الفائدة المرجوة وتقديم جميع آثاره العلمية من المؤلفات والتسجيلات الصوتية.

العثيمين 4

أعماله وجهوده الأخرى

إلى جانب تلك الجهود المثمرة في مجالات التدريس والتأليف والإمامة والخطابة والإفتاء والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى كان لفضيلة الشيخ أعمال كثيرة موفقة منها ما يلي:

* كان عضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية من عام 1407هـ إلى وفاته.

* كان عضوًا في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في العامين الدراسيين 1398 – 1400هـ.

* كان عضوًا في مجلس كلية الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم ورئيسًا لقسم العقيدة فيها.

* وفي آخر فترة تدريسه بالمعهد العلمي شارك في عضوية لجنة الخطط والمناهج للمعاهد العلمية، وألّف عددًا من الكتب المقررة بها.

* كان عضوًا في لجنة التوعية في موسم الحج من عام 1392هـ إلى وفاته رحمه الله تعالى حيث كان يلقي دروسًا ومحاضرات في مكة والمشاعر ويفتي في المسائل والأحكام الشرعية.

* ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية بعنيزة من تأسيسها عام 1405هـ إلى وفاته.

* ألقى محاضرات عديدة داخل المملكة على فئات متنوعة من الناس، كما ألقى محاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية في جهات مختلفة من العالم.

* يعتبر من علماء المملكة الكبار الذين يجيبون على أسئلة المستفسرين حول أحكام الدين وأصوله عقيدة وشريعة وذلك عبر البرامج الإذاعية من المملكة العربية السعودية وأشهرها برنامج “نور على الدرب”.

* نذر نفسه للإجابة على أسئلة السائلين مهاتفة ومكاتبة ومشافهة.

* رتَّب لقاءات علمية مجدولة أسبوعية وشهرية وسنوية.

* شارك في العديد من المؤتمرات التي عقدت في المملكة العربية السعودية.

* ولأنه يهتم بالسلوك التربوي والجانب الوعظي اعتنى بتوجيه الطلاب وإرشادهم إلى سلوك المنهج الجاد في طلب العلم وتحصيله وعمل على استقطابهم والصبر على تعليمهم وتحمل أسئلتهم المتعددة والاهتمام بأمورهم.

* وللشيخ رحمه الله أعمال عديدة في ميادين الخير وأبواب البرّ ومجالات الإحسان إلى الناس والسعي في حوائجهم وإسداء النصيحة لهم بصدق وإخلاص.

العثيميم 13

مكانته العلمية

يُعَدُّ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى من الراسخين في العلم الذين وهبهم الله تأصيلاً ومَلَكة عظيمة في معرفة الدليل واتباعه واستنباط الأحكام والفوائد من الكتاب والسنّة وسبر أغوار اللغة العربية معاني وإعرابًا وبلاغةِ، ولما تحلَّى به من صفات العلماء الجليلة وأخلاقهم الحميدة والجمع بين العلم والعمل أحبَّه الناس محبة عظيمة، وقدّره الجميع كل التقدير، ورزقه الله القبول لديهم واطمأنوا لاختياراته الفقهية، وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلمية، ينهلون من معين علمه ويستفيدون من نصحه ومواعظه.

مُنح الشيخ رحمه الله تعالى جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1414هـ، وجاء في الحيثيات التي أبدتها لجنة الاختيار لمنحه الجائزة تحلِّيه بأخلاق العلماء الفاضلة التي من أبرزها الورع ورحابة الصدر وقول الحق والعمل لمصلحة المسلمين والنصح لخاصتهم وعامتهم، وانتفاع الكثيرين بعلمه تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا، وإلقائه المحاضرات العامة النافعة في مختلف مناطق المملكة، ومشاركته المفيدة في مؤتمرات إسلامية كثيرة، واتباعه أسلوبًا متميزًا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديمه مثلاً حيًّا لمنهج السلف الصالح فكرًا وسلوكًا.

وللشيخ ابن عثيمين رحمه الله خمسة من البنين وثلاث من البنات، وبنوه هم عبدالله وعبدالرحمن وإبراهيم وعبدالعزيز وعبدالرحيم.

وفاته

انتقل الشيخ ابن عثيمين إلى رحمة الله في مدينة جدّة قبيل مغرب يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال عام 1421هـ وصُلِّي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة عصر يوم الخميس، ثم شيّعته الآلاف من المصلّين والحشـــود العظيمــة في مشاهد مـؤثرة ودفــن في مكــة المكـــرمة، وبعد صلاة الجمعة من اليوم التـالي صُلِّي عليه صلاة الغائب في جميع مدن المملكة.

 

خالد 1

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أكثر من 50 عاماً في خدمة العقيدة”

إغلاق