ترجل فارس

نشر في: الخميس 23 يناير 2020 | 09:01 ص
تعليق واحد
بقلم | سعد الشهري

في يوم السبت الثامن عشر من يناير توقف القلب المجهد العاشق للطيران الكابتن سامي رفه (رحمه الله)، وبذلك و دعت صناعة النقل الجوي في المملكة أحد أبرز رموزها الذين هاموا بحب المهنة وقضوا حياتهم فيها ولها ومن أجلها، تاركاً بصماته الخالدة على صفحات تطور مؤسسته وفي قلوب طلبته وزملائه، ومختتماً حياته العملية المشرفة بإنجاز وطني غير مسبوق.

عملت مع ذلك العملاق في خدمة الخطوط السعودية عدة عقود فعرفته مهنياً عن قرب وشرفت بصحبته في بعض الرحلات المشتركة وتعلمت منه الكثير، وقد تلقيت في الثمانينيات الميلادية جزء من تدريبي كقائد طائرة بوينغ 747 على يديه، ثم تزاملنا بقية المشوار.

كان رحمه الله طياراً محترفاً من طراز راقٍ وفريد ساهم في قيادة العديد من الرحلات الملكية والخاصة وكان تخصصه الأثير على قلبه هو تدريب الطيارين والذي أجاده و لمع فيه، وكان يميزه عن سواه شخصيته الجادة جدًا وشغفه بالمهنة وعلمه الغزير وحبه للبحث والتقصي وحرصه على نقل علمه و خبراته إلى كل من يحتاجها من أبناء المهنة حتى أصبح من المألوف أن تراه حتى في وقت راحته وقد تحلق حوله طيارون يستفتونه في أمر أشكل عليهم أو اختلفوا حوله.

ولد رحمه الله في مكة المكرمة لأسرة مكية معروفة انجبت عدد من نجوم الطب والطيران والإدارة، وقد درس الطب في ألمانيا قبل أن يتحول إلى دراسة الطيران في النمسا، خلال دراسته قام بمحاولتين للطيران منفرداً عبر العالم العربي، وقد فشلت كلتا المحاولتين الأولى لأسباب سياسية حالت دون سماح مصر له بعبور البحر الأحمر والثانية بسبب عطل لحق بطائرته، فعاد إلى المملكة بغصة في الحلق وحسرة على حلم لم يتحقق ليعمل بالخطوط السعودية طياراً ومدرب طيارين لمدة سبعة وثلاثين عامًا، وبعد تقاعده حن قلبه المجهد إلى حلمه القديم ولكن هذه المرة للطيران حول العالم و بخبرات سبعيني، فبدأ مشروعه بالبحث عن طائرة صغيرة تناسب ميزانيته و طبيعة رحلته وبدأ بإجراء الاختبارات اللازمة على عدة أنواع من الطائرات لاختيار الأنسب لرحلته التي لم يسبقه إليها أي طيار عربي، و برغم أن خط سير رحلته يتطلب عبور محيطات شاسعة تزيد مدة الطيران فوقها عن عشر ساعات فقد كانت الطائرة المختارة ذات محرك مروحي واحد، بها أربعة كراسي، وليس فيها أجهزة ضغط مما يحدد ارتفاعها الأقصى بخمسة عشر ألف قدم، وكانت مقصورة قيادتها ضيقة لا يستطيع طيارها القيام من كرسيه لأي سبب، وليس بها دورة مياه، وفوق كل ذلك تحتاج إلى تعديلات اساسية هامة و تجهيزات ملاحية عديدة قبل أن تصبح مؤهلة لمهمتها المنتظرة، وبهمة فولاذية ومهنية فذة و شغف كبير عكف الطيار السبعيني على دراسة أدق تفاصيل مشروعه والإعداد له بما استغرق منه ثمان سنوات كاملة منها ثلاث سنوات في اختبار طائرات متعددة لاختيار الأنسب وخمس سنوات قضاها في عمل دؤوب شمل تحديد التعديلات الضرورية على طائرته وتنفيذها و تركيب أجهزة الملاحة و الاتصالات الضرورية التي تتطلبها الأنظمة لعبور المحيطات وضمان سلامة الطائرة و فاعلية تواصلها مع المراقبة الجوية و نجاحها في إتمام مهمتها، وقد شمل ذلك تعديل سعة خزانات وقود الطائرة والذي استدعى استبدال المقعدين الخلفيين للطائرة بخزان وقود وتحويل مخزن الحقائب إلى خزان وقود آخر ومتابعة استحصال الموافقات اللازمة من السلطات الأمريكية لتلك التعديلات، كما انكب على دراسة أفضل الخيارات المتاحة لخط سير رحلته من حيث توفر المطارات المناسبة للهبوط والخدمات اللوجستية الضرورية للرحلة كتوفر الوقود المناسب لنوع الطائرة وتوفر خدمات الصيانة اللازمة في حال حدوث أعطال، مروراً بدراسة الحالة الجوية السائدة في الفصول المختلفة من العام وتحديد أي الفصول أكثر ملاءمة لتنفيذ الرحلة مع دراسة اتجاهات الرياح العلوية و سرعتها وتحديد أفضل المسالك الجوية لتوظيف الرياح في سبيل قطع أطول مسافة بأقل كمية وقود، كما انخرط في التنسيق مع سلطات الطيران في البلدان التي سيمر بها خط سير رحلته بهدف ضمان الحصول على التصاريح اللازمة لعبور أجواء تلك البلدان أو الهبوط في مطاراتها بما يضمن المرور الآمن، وقد تم في نهاية المطاف انجاز كل تلك المهام بنجاح والانتهاء من ذلك العمل الشاق وبقي العائق الوحيد هو ايجاد التمويل اللازم.

ومع تعثر التمويل قرر إلغاء المحاولة و بيع الطائرة ودفن الحلم، وفي تلك الأثناء تلقى مكالمة هاتفية طرفها الآخر كان الشيخ يوسف عبداللطيف جميل والذي عقد معه صفقة لتمويل الرحلة مما انقذ حلمه و تمت بفضله رحلته حول العالم و التي استغرقت 130 ساعة طيران قطع خلالها 40 ألف كيلو متر واستغرقت قرابة الشهرين و اسماها ” رحلة الامتنان” وقال أنها امتناناً منه لكل من علمه شيئاً طيلة حياته وقد أهداها إلى خادم الحرمين الشريفين وإلى الشعب السعودي كأول إنجاز وطني من نوعه.

رحم الله الكابتن سامي رحمة واسعة فلقد كان أيقونة وطنية نادرة آلمني فقده و أحزنني أن غيبّني سفري عن واجب تشييعه والوقوف في مراسم عزاءه، و كزميل عمل متخصص عرفته عن كثب أشهد أنه كان رجل محب للخير متميز في خلقه ومهنيته وانضباطه، خدم مؤسسته و وطنه بإخلاص وختم حياته بإنجاز وطني هام يستحق الإشادة و التخليد .

*مساعد المدير العام للأمن والسلامة بالخطوط الجوية السعودية “سابقاً”

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ترجل فارس”

  1. لقد قرات عن وفاه الكابتن سامي رفه وما كتبه عنه الاخ عبد الشهري ومثل الشخصيات والقامات نفتخر اولا اسال الله ان ان يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وان لله وانا اليه راجعون ثانيا مثل هولاء وللاسف لم نعرف عنه الا بعد مماته ولولا قام أحد طلبته بكتابه هذا المقال عرفنا لو كان مغنيا لقامت الدنيا ولم تقعد.

إغلاق