بندر بن عبدالعزيز في ذاكرة الحداوي

نشر في: الأربعاء 07 أغسطس 2019 | 09:08 ص
لا توجد تعليقات
بقلم| سعيد بن محمد الحداوي 

هذا الأمير بندر بن عبدالعزيز كما عرفناه منذ ٤٠ سنة .. ففي صباح أحد أيام عام ١٣٩٩هـ، وكنت آنذاك إماما وخطيبا لجامع الأمير فيصل بن سعد بن عبدالرحمن ابن عم الملك وزوج أخته ساره . رحمهم الله جميعا، كان يصلي خلفي رجل وقور عليه هيبة الملك لكنه كأي مصلٍ يصلي بلا “بشت” ولا أرى عليه مظاهر الإمارة وغيرها، فكنت أراه مراراً لكن لم أسلم عليه لأن الإمام ليس من عادته أن يقوم بالسلام على من خلفه ..لكن كان غير بعيد عنه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ “رحمه الله” “وكان وقتها إماما للحرم المكي وخطيب يوم عرفه لأكثر من ٣٣ عاما وأحد المأمومين لمدة طويلة حتى استقلت من الإمامة والخطابة هناك وانتقلت خطيباً احتياطياً في كافة جوامع منطقة الرياض” ..حيث قال لي الشيخ: لماذا لا آراك تسلم على ذاك الرجل ،فقلت له: لا أعرفه ،وهو بعيد عني قليلاً ويصلي يوم ثم يغيب يوم عن صلاة الفجر فقط .. قال لي الشيخ: أنه أخو الملك أنه الأمير ” بندر بن عبدالعزيز “.. حينها انتظرت حتى أنتهى من أذكار الصباح وعندما هم بالخروج من الجامع سلمت عليه وعرفته من أنا فقال لي: جزاك الله خبراً ،أنا أصلي الفجر معك لحسن صوتك وللاطمئنان في الصلاة .. فقلت له لماذا تصلي يوماً وتغيب آخر؟ قال رحمه الله: لي زوجه قريبة “يمكم” في شمال المربع إذا جاء يومها صليت معكم وإذا كنت في البيت الآخر في ” البديعة ” صليت هناك.. قلت له ادع لنا أن نرزق الإخلاص أما الباقي فهي أمور اجتهادية ،ثم ودعته ووعدته بزيارة في منزله في البديعة .. وعندما زرته استقبلني خير استقبال وتعشيت معه ،ثم ودعته بعد أن تواعدنا باللقاء في مزرعته بالمنصورية.

وبعد أيام ذهبت إلى تلك المزرعة الجميلة والتي فيها أنواع الأبل والغنم والطيور والصقور الحرة ،وكنت أركب بجواره على عربة ” غولف ” يقودها بنفسه وحولنا الأخوياء والمرافقين والزوار وبعض أحفاده “رحمه الله” حتى حان وقت المغرب فأذن مؤذن المسجد الذي في المزرعة واجتمعنا للصلاة وكان هناك عدد كبير من العمال والمرافقين والأخوياء وكان للمسجد إمام ومؤذن، لكن قدمني للصلاة بهم وصلينا المغرب ثم توادعنا وعاد إلى قصره بالبديعة غرب الرياض وعدت أنا إلى السكن المعد لي بالقرب من جامع الأمير فيصل بن سعد ،ولم يكن معه أي حراسة أو دورية أمنية فقط سيارته وتتبعه سيارة أخرى .

وقال لي “رحمه الله” تأتيني أي يوم من بعد الساعة الخامسة مساءً تجدني هنا في المزرعة وكان لا يفارقها مطلقا وفي نفس الموعد وكان يزوره الكثير من الناس يتحدثون في أمور عامة ،ولم أرى من أتى يطلب شيئاً منه أو من الحكومة إلا مرات قليلة جداً وكان يعتذر بلطف يرحمه الله .. وكنت أزوره في قصره وكان نظامه أنه عندما يعود من المسجد بعد صلاة العشاء إلى مجلسه يقرأ عليه إمام المسجد أو غيره من كتاب معين وقد كنت إذا حضرت أعلق على ما يقرأه القارىء بما يدعمه من آيات أو أحاديث تشرح ما تفضل به القارىء .

وقد دعوته إلى منزلي مراراً وكان الأمير بندر بن عبدالعزيز “رحمه الله ” يذم الكلفة الزائدة ويمقتها ،لذلك كانت دعواتنا متواضعة وتعتمد أحياناً على المأكولات الجنوبية ولم يكن يعتذر عن أي دعوة مني حتى لو على قهوة دون أي تكلف .. وقد كان رحمه الله يشتكي من رجله ويصعب عليه الركوع والسجود ،وقال لي ذات يوم أنه مسافر إلى الخارج وسافر وعاد بصحة جيدة بعد عدة أشهر قليلة وكان يعاني من ظهره ،وفي الرياض لم يفد فيه أي دواء حتى الكي فقد ” كواه الصمعاني ” ولم يشف من رجله إذ أن الألم في “رجله” بسبب الظهر .

كان رحمه الله كريم الأخلاق متواضعاً زاهداً تقياً وكنت أزوره في مكة في مقر إقامته في أحد الأبراج المطلة على الحرم المكي مقابل باب ” المروه ” في المسعى ،وكان زاهداً في الملك والمناصب وقد عرضوا عليه مناصب كثيرة كما أخبرني لكنه لم يتقلد أي منصب .. ووالله ما طلبته شيئا في حياتي كلها ولم يقدم لي من ذاته أي شيء إلا توصيات في مرات نادرة ولم يقصر رحمه الله وكان يتولى كتابة توصياته غالبا أخونا ” جعفر العطاس ” حفظه الله .. ورحل رحمة الله عليه ونحن ندعو له من الأعماق أن يكون في الفردوس الأعلى .

أما أبناء الأمير بندر رحمه الله وأحفاده كثيرون أكبرهم الأمير فيصل ـ حفظه الله ـ أمير منطقة الرياض ثم عبدالعزيز وكان في منصب رفيع في الاستخبارات ثم بقية أبناء سموه الميامين ،وقد عرفت أكثرهم معرفة شخصية وهم نعم الرجال يسيرون على نفس الخطى، أخلاق وتواضع وشهامة وكرم وتدين ،ومن عجيب ما ألتزموا به هو بر من يبر أبيهم .. وقد التقيت بهم في مناسبات كثيرة وإذا كنت موجود معهم على نفس المأدبة كانوا يتسابقون في تقديم الأكل لي و “تقطبع” اللحم ،كما هي عادات الشعب السعودي واخص منهم الأمير تركي حفظه الله والأمير خالد حفظه الله وإن كنت لم ألتقي بهم من مدة طويلة عسى الله أن يجمعنا بهم .

ومن المواقف التي أذكرها مع الأمير فيصل بن بندر أنه عندما زرت أبها في إحدى السنوات وكان حينها نائباً للأمبر خالد الفيصل وأردت أن أسلم عليه فرحب بي ودعاني للعشاء ووجه بأن أنزل في ضيافة الإمارة ،وأعتذرت منه حفظه آلله وودعني عند باب مكتبه .

أما الأمير عبدالعزيز بن بندر رعاه آلله فقد كان رجلاً أخر في كل شيء ، فهو يشبه أباه في أمور كثيرة ، ففي إحدى المرات أردت أن ألحق ابني فواز في قطاع الاستخبارات فكتبت رسالة له ولم أكن قد التقيت به وقد ذهب له الأبن “فواز” ولما سلمه الرسالة قام من على مكتبه وجلس بجواره ” وصب ” له القهوة إكراماً لي لأني أبر أباه .. أنظروا إلى هذا الكرم في الخلق ،فهذه الأخلاق هي التي ستبقى في الآخرة أما غيرها فسيذهب هباء رضينا أم أبينا .

لقد ذهب الأمير بندر إلى جوار ربه والكل يدعو له وبقي رجال أوفياء كرماء أكفاء رحماء اتقياء ولا نزكيهم على الله ،هم معنا الآن نأمل فيهم كل خير ونحبهم في الله وندعو لهم في ظهر الغيب ،ونقول لهم الدنيا قصيرة جداً مهما طالت والآخرة خير وأبقى ،ويشهد الله أن سمعتكم حسنة والجميع يثنون عليكم لمن تعاملوا معكم ونذكرهم وانفسنا وغيرنا بقول الله تعالى ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) الأية .. أما والدهم في ذمة الله عسى أن يكون في الفردوس الأعلى . والحمد لله رب العالمين .

كتبه |
الشيخ : سعيد بن محمد الحداوي
نائب رئيس مجلس إدارة الشركة اﻹعلامية لقنوات السيوف الفضائية

مقالات ذات صلة

إغلاق