سمفونيات المطر .. في بيوت من طين وحجر

نشر في: الأربعاء 29 مايو 2019 | 04:05 م
لا توجد تعليقات
بقلم| علي بن هجّاد

الارتباط العاطفي بمكان الميلاد والمنشأ ارتباط عفوي يزداد متانة كلما تقادم العهد بالمكان والزمان ، وترسم تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة فيه صورة جمالية مبهرة تختزنها الذاكرة لتكون مصدر إلهام يركن إليه الإنسان كلما تقدم به العمر واشتاق لمرحلة البداية، وربما تكون الحياة فـي القرية أكثر إدهاشا بإنسانها وبساطتها ونقائها ، وأكثر إمتاعا فـي ذكرياتها لمن عاش فيها على الرغم من شظف العيش وصعوبة الحياة .

القرية التي كانت تشكل لوحة جمالية رائعة بأبنيتها المرصوصة التي يشد بعضها بعضا كما هو حال أهلها ، وتكتسي بالغيم والضباب شهوراً طويلة من كل عام ، وتشرب من زلال أبارها ، وتأكل من خيرات مزارعها وتستنشق أريج زهورها وأشجارها .تلك القرية المؤلفة من المنازل المبنية من الحجر الصلد والمتربعة مع نظيراتها من القرى على قمم وسفوح جبال السروات وضفاف أوديتها ، قبل أن تغزوها البيوت الإسمنتية المتناثرة بعشوائية فـي كل صوب ، كانت مدهشة فـي الشتاء باحتفاظها بالدفء الناتج عن احتراق عود أو عودين من الحطب طوال نهار وليل الشتاء ، وباحتفاظها بنسمة باردة تنتج عن رشة ماء على جدرانها الحجرية الملبسة بالطين وتستمر طوال اليوم فـي حر الصيف .

منازل القرية التي كانت تسمح بدخول الشمس من (القترة) ــ الفتحة المخصصة فـي سقف المنزل لخروج الدخان المنبثق عن احتراق الحطب في الملّة ــ فتشكل ذرات الغبار المتطايرة فـي أشعة الشمس منظرا يشد أنظار الأطفال الصغار، فمنهم من يحاول الإمساك بها ومنهم من يتخيلها تجسد أشكالا أو أشخاصا.. الخ ..المنازل التي كانت تدب فيها الحركة مع أذان الفجر وتتناغم فيها أصوات الأطفال والأمهات والآباء والطيور والحيوانات .المنازل التي كانت مدهشة بصوت الرياح وهي تصطدم بجدرانها طوال أيام الشتاء ، وبتسلل قطرات المطر عبر الأسطح المسقفة بالأخشاب التي يعلوها التراب فتشكل هاجسا لأهل المنزل الذين يستقبلونها بأنواع الأواني المتوفرة لديهم حفاظا على بسطهم المنسوجة من سعف النخيل وأثاثهم البسيط من التلف الذي قد ينجم عن تبللها بالماء .

وهنا .. هنا .. أتذكر جيدا جدتـي سُعدى ـ رحمها الله ـ التي كانت تجعل من سريرها مظلة لأحفادها فـي مواسم المطر ، وكنا أطفالا نتسابق للاحتماء بذلك السرير من قطرات المطر عندما تتسلل من الأسقف وتبدأ عزف سمفونياتها على أوانـي المنزل . كل هذه الصور الجميلة وغيرها مرت سريعاً بذاكرتي وأنا أتلقى مئات التسجيلات المصورة للأمطار التي تشهدها بلادنا حاليا ، وخصوصا جنوب المملكة ، وأظنها تمر كذلك على أبناء جيلي الكرام ومن سبقنا فتثير شجوننا ، ونحن قد شهدنا نقلة كبيرة في نمط الحياة بمختلف جوانبها .
حفظ الله بلادنا من كل شر ، وزادها من كل خير ،وسقاها غيثا مغيثا هنيئا مريئا ينبت به الزرع ويدر به الضرع .

مقالات ذات صلة

إغلاق